الوجه السياسي للثقافة.. ردًا على حسام الدين درويش

 الوجه السياسي للثقافة.. ردًا على حسام الدين درويش

رد هيئة تحرير مجلة قلمون على التقرير النقدي الذي نشره حسام الدين درويش في صفحات موقع مركز حرمون بتاريخ 9/ 3/ 2021

المحتويات

أولًا: بين الذاتية والموضوعية

ثانيًا: هل “المواقف” غير علمية بالضرورة؟

ثالثًا: في لعبة التفسيرات المختلفة للظاهرة الواحدة

رابعًا: في مأزق النقد الذاتي والانتقائي

خامسًا: حول التوظيف السياسي للدين في سورية

سادسًا: لا تناقض بين الخبرات الشخصية والبحث العلمي

سابعًا: التوصيات العلمية للبحوث

ثامنًا: هل التوثيق حاجة علمية أم وسواس؟

تاسعًا: حول التوثيق واللغة وعلامات الترقيم

خاتمة

يقدم التقرير النقدي الذي نشره حسام الدين درويش، في موقع مركز حرمون للدراسات المعاصرة، تقييمًا عامًا وشاملًا لأعداد مجلة قلمون منذ صدورها، مع تركيز على العدد الأخير “التفاعل بين الدين والمجتمع في سورية 1920- 2020“. ومن الواضح أن درويش قرأ ملف العدد الأخير، وقدم عددًا كبيرًا من الملاحظات حول المنهجية والتوثيق ومضمون العدد، معرفيًا ومعياريًا. يشيد التقرير النقدي بإيجابيات المجلة وإنجازاتها، مثلما تفرد القسم الأكبر والأساس لما يظن أنه “سلبيات” أو “أوجه نقص” أو “عدم حياد معرفي” أو “انزلاق وراء الجانب الأيديولوجي على حساب الجانب المعرفي والمنهجي” وقعت فيه المجلة في عددها الأخير.

وعلى الرغم من أن بعض انتقادات كاتب التقرير النقدي كانت محقة، وأن بعض البحوث يحتاج بالفعل إلى تدقيق أكثر، غير أن ما يلفت الانتباه في النقد الذي يقدمه هذا التقرير هو التركيز على مفهوم قديم نسبيًا للعلوم الإنسانية يريد أن يجعلها مجرد علوم تقلد الموضوعية المطلقة الموجودة في العلوم الطبيعية. وهذه نظرة لم تعد موجودة في الجامعات المعاصرة، لأن الإنسان بكل بساطة ليس مجرد حجر أو أخشاب، حتى إن المفكرين غالبيتهم في العالم اليوم يريدون أن تقود العلوم الإنسانية العالم، لاعتقادهم أن هذه العلوم هي التي عليها مساعدة هذا العالم للوصول إلى عالم أكثر إنسانية وعدالة.

فالتقرير النقدي أخذ على المجلة عدم الفصل الدقيق بين الثقافة والسياسة، وبين الجانب الوصفي للبحوث والجانب المعياري، وبين العناصر الذاتية والعناصر الموضوعية، وبين المعرفة والأيديولوجيا، علمًا بأن العلوم الإنسانية المعاصرة انتهت إلى قضية يعرفها المجتمع العلمي جيدًا، وهي تتعلق بعدم وجود حدود فاصلة ودقيقة بين الثقافة والسياسة، وبين الوصفي والمعياري، وبين الذاتي والموضوعي، حيث يصعب على أي باحث اليوم الادعاء بأن بحثه وصفي وموضوعي بصورة كاملة، أو أنه متحرر تحررًا كليًا من المؤثرات المعيارية والذاتية. فالمهمة التي يريد كاتب التقرير النقدي أن تقوم بها مجلة قلمون ليست مهمة طوباوية لا واقعية فحسب، بل مهمة لا علمية أيضًا، وهذا أمر مستغرب.

سنناقش بالتفصيل هذه القضايا، وقضايا أخرى غيرها، ونبين تهافتها. فالثقافي قد ينقلب في أي لحظة إلى سياسي، والبحث الموضوعي لا يمكنه أن يتحرر من العناصر الذاتية، مثلما أن القضايا الوصفية يمكن أن تتضمن في الوقت نفسه عناصر معيارية.

أولًا: بين الذاتية والموضوعية

يقول كاتب التقرير النقدي في إطار توجيهه نقدًا للمجلة، من حيث عدم التزامها بالحدود الفاصلة بين الجانب الوصفي والجانب المعياري: “ينبغي لأي بحثٍ معرفيٍّ أن يتأسس على ما هو وصفيٌّ، ومستقلٌّ، جزئيًّا ونسبيًّا، قدر المستطاع، عما هو معياريٌّ وتقييميٌّ. فمثلًا، عند الحديث عن ظاهرةٍ ما، ينبغي الانطلاق من فهمٍ أو تعريفٍ أو مفهومٍ وصفيٍّ وتحليليٍّ لتلك الظاهرة، بغض النظر عن موقفنا العقائدي/ السياسي/ الأيديولوجي منها. ولا يبدو أن هذا ما يحصل في بعض نصوص مجلة قلمون وملفها المذكور. ويبدو ذلك واضحًا في “كلمة العدد”، وفي عددٍ من النصوص التي يتضمنها ذلك العدد” (ص 5).[1] أما أهم مثال يسوقه درويش على عدم التزام بحوث المجلة بتعريفات وصفية معرفية مستقلة عن الجانب المعياري والقيمي، فهو مفهوم “الحداثة” الذي استخدم في أكثر من بحث. ملاحظة درويش الأساس أن مفهوم الحداثة استُخدم في المجلة للقول بأن حقوق النساء والرجال متساوية، وأن الناس يحق لهم التعبير عن أنفسهم بحرية، والدفاع عن حقهم في صنع حياتهم الخاصة، وعلى الجميع أن يحترم حقوق الآخرين (ص4).

غير أن التقرير النقدي يعد أن هذه الأوصاف للحداثة معيارية، وأن بحوث المجلة تتبنى “أيديولوجيا حداثوية لا ترى في الحداثة إلا ما هو إيجابيٌّ .. (الحداثة) التي يبدو أن لا خلاص ولا حول ولا قوة إلا بها. فالحداثة، هنا، مفهومٌ معياريٌّ، وأحاديٌّ في معياريته، بالدرجة الأولى، وهو مختزلٌ في مجموعةٍ من السمات والقيم والأفكار الإيجابية المرغوبة. لكن، هل هذا ما يمكن وما ينبغي للباحث أن يقتصر على رؤيته في هذا السياق. لقد تعرضت الحداثة إلى نقدٍ شديدٍ، حتى من قبل عددٍ كبيرٍ من الحداثويين المتبنين لها والمدافعين عنها، في حين أن تلك الرؤية المعيارية الأحادية تختزل حقيقة الحداثة أو “الحداثة الحقيقية” في منظورٍ سياسيٍّ/ أيديولوجيٍّ/ ذاتيٍّ، بعيدًا عن الرؤية المعرفية الموضوعية المتوازنة الضرورية”. (ص5).

يمكن الرد بسهولة على هذا الخلط بين الوصفي والمعياري، لأن تبني المجلة قيمَ الحداثة المرغوبة في شعوب العالم كلها، لما حققته هذه الحداثة من حياة عادلة وكريمة، أمر لا يدخل في إطار الرؤية الأحادية المعيارية بل مبني على قاعدة استقرائية علمية. الحداثة تجربة حققت نجاحًا كبيرًا لعدد كبير من شعوب العالم، ولذلك يمكن أن تكون قاعدة للحياة المستقبلية للسوريين، هذه هي القضية بكل بساطة.

إذا كان مفهوم الحداثة يقوم على مجموعة من القيم، وهي الديمقراطية، العلمانية، المساواة، حقوق الإنسان، المواطنة؛ فإنه يمكن أن نجادل بأنه لا يوجد تعريف وصفي للحداثة متحرر تمامًا من المعيارية، ولا يمكن الاعتقاد بوجود مثل هذا الإنسان على وجه البسيطة الذي يستطيع تعريف الحداثة من دون اختزالها في “مجموعةٍ من السمات والقيم والأفكار الإيجابية” اختزالًا واعيًا أو غير واع، ولذلك يمكن مطالبة كاتب التقرير النقدي بالاستشهاد بتعريفات وصفية للحداثة خالية من أي عناصر معيارية، تعريفات تتصف بـ “الرؤية المعرفية الموضوعية المتوازنة الضرورية” -على حد زعم كاتب التقرير النقدي- ولا سيما أن العلوم الإنسانية المعاصرة ترى أن الحكم على أمر ما بأنه موضوعي هو حكم ذاتي في النهاية، وصادر عن شخص له رغبات وعنده معارف وخبرات، ويهدف للتأثير في أوضاع معينة، حتى فكرة “الموضوعية ” هناك من يرى أنها ابتُكِرت لإيهام البشر أنفسهم بأن ثمة شيئًا أسمى من الذاتية.

في المعرفة التي تتناول موضوعات سياسية وثقافية تتحول “المعرفة” إلى أداة للصراع، وكشف للأوهام، والحصول على حقوق، والدفاع عن مبادئ، ولذلك يغدو الحديث عن الفصل بين الوصفي والمعياري في المعرفة السياسية حديثًا أيديولوجيًا، ورغبات مثالية خالية من الحس بالمسؤولية العلمية.

من حيث المبدأ، يمكن لأي باحث في العالم أن يصف أي بحث علمي آخر بأنه يقع تحت تأثير مؤثرات ذاتية أو معيارية. ونكاد نجزم بأنه لا يوجد أي مفكر أو فيلسوف وُجِّه له نقد ما، إلا كانت المعيارية أحد العناصر النقدية الحاضرة، وهذا لسبب بسيط، وهو أنه لا توجد موضوعية منزهة من المعيارية، ولذلك يستسهل الجميع هذا النقد، ويرددونه كقوالب جاهزة منذ مئات السنين. فالباحث إذا اختار وضع فرضية معينة لبحثه، واستبعد فرضيات أخريات، فإنه يختار بصورة ذاتية، ونتيجة لتقديراته الذاتية بوصفه خبيرًا في مجاله التخصصي، ولديه تراكمات معرفية يرى أنها ذات أهمية، وإذا اختار منهجًا معينًا للقضية التي يدرسها، وفضّله على منهج آخر، فهذا التفضيل أيضًا ذاتي، وإذا تبنى تعريفًا لمفهوم، وفضله على تعريف آخر، فإنه ينظر لهذا التفضيل على أنه تفضيل ذاتي. وعلى ذلك، فإن النقد المتعارف عليه في مجال بحوث العلوم الإنسانية لا يعنى بما إذا كان البحث موضوعيًا أم ذاتيًا -فهي تهمة يمكن توجيهها إلى الجميع- النقد المتعارف عليه يتناول عادة مدى اتساق البحث مع نفسه، أو يشغل بما إذا كانت النتائج التي توصل إليها الباحث سليمة ومبنية على مقدمات البحث ومجرياته. أو يهتم بمدى تحقيق الباحث الأهدافَ التي وضعها لبحثه، أو تقديمه بالفعل مبررات مقنعة تدعم ما يريد قوله.

أما النقد الذي تتعرض له الحداثة (والذي طالب التقرير النقدي بأن تأخذه مجلة قلمون بالحسبان) فليس المقصود به رفض الحداثة أو رفض قيمها، كما توهم درويش، فالنقد الذي تعرضت الحداثة له -وما زالت- فقط بقصد تحسين السبل لتحقيق قيمها على أكمل وجه، وتدارك جوانب النقص. فعملية الحداثة مستمرة منذ أكثر من قرنين من الزمن، وهي تتعرض من حين لآخر لإعادة تقييم بقصد تحقيق المساواة بين البشر بصورة أفضل مما هي عليه في الواقع، أو للوصل إلى أعلى درجات المساواة بين المواطنين في الحقوق، أو لمنح كامل الحقوق للفئات التي ما زالت تحتاج إلى دعم، أو لجعل حياة البشر أكثر رفاهًا وسلامًا وحرية، وعلى ذلك ما زالت الحداثة هي القاعدة العريضة للحياة السياسية في البلدان المتقدمة عالميًا، أي عملية تاريخية وسياسية وثقافية ومعرفية متكاملة، وتناولها بهذه الصورة لا يحولها إلى مجرد منظور ذاتي أو معياري أو انحياز أيديولوجي.

النقد الذي تتعرض له الحداثة أمر لا يعني السوريين كثيرًا (لم ينتبه كاتب التقرير النقدي لهذا الأمر)، لأن النقد عادة يرافق التجارب لتعديل التطبيقات وتحسينها، بينما لم يبدأ السوريون بعد بعملية دخول عالم الحداثة بالأصل، وهم يعملون من أجل هذا الدخول، ودفعوا ثمنًا باهظًا من أجل ذلك، وما زالوا يدفعون. يمكن للفرنسيين -مثلًا- أن يستفيدوا من نقد الحداثة الذي قدمه (آلان تورين)، ومفاده أنه يجب إعطاء جمعيات المجتمع المدني دورًا أكبر من الدور الحالي. أو يمكن للكنديين أن يستفيدوا من نقد (تشارلز تايلر) للحداثة، ومفاده أنه لا بد من إعطاء الحقوق الثقافية للأقليات بالتوازي مع إعطاء الحقوق السياسية.

أما في الحالة السورية فما الذي يمكن أن يستفيده السوريون من نقد الحداثة؟ يمكن للذي بنى بيتًا كبيرًا وأثثه على أكمل وجه أن يستفيد من نقد حول لون الأبواب أو سعة المطبخ، ونحو ذلك، أما الجار الذي لم يتمكن من الحصول حتى على أرض يبني عليها بيته، وهناك من يحاربه ويمنعه من الحصول على هذه الأرض، بل يطلق عليه النار لمحض أنه يقترب منها، فإن النقد الذي يقول له بأن مطبخ الجار ليس واسعًا، وأن عليه أن يأخذ ذلك بالحسبان عندما يبني بيته، إذا استطاع ذلك؛ يغدو نقدًا خاليًا من المعنى، وقد يثير سخرية مرة في نفس هذا الشخص الذي لم يتمكن من الحصول على قطعة الأرض أصلًا. الطلب من بحوث المجلة بأن تأخذ النقد الذي يوجه للحداثة في العالم الغربي اليوم، عندما تتناول تلك البحوث السوريين وأوجاعهم، يريد من المجلة أن تسقط مشاغل أوروبا اليوم على معاناة السوريين، وهذا غبن ما بعده غبن بحق السوريين الذين لديهم طموح مشترك مع الأوروبيين من أجل بناء دولة المواطنة والقانون، ولكن لديهم أوضاع ومصاعب ومشكلات مختلفة اختلافًا كليًا عن تلك الموجودة في أوروبا.

إن العلوم الإنسانية (السياسة، علم الاجتماع، الفلسفة، علم اجتماع الأديان، علم النفس الاجتماعي..) في النهاية محض أجوبة ومقاربات لمشكلات مجتمع معين، ولا معنى لها خارج هذا الإطار وهذا هو سبب نشأتها أصلًا. وهذا هو وضعها في أوروبا. أما في سورية فإن النظام الأسدي على مدى نحو نصف قرن منع نشوء علوم إنسانية سورية (على غرار علم الاجتماع الفرنسي أو الألماني مثلًا) لأنه لا يريد لهذه العلوم أن تفضح الأوهام التي يفرضها على السوريين، والتزييف الذي يمارسه في السياسة والاجتماع، وحيلته المفضلة في تخويف السوريين بعضهم من بعض، مثلما لا يريد كشف التفافه على الديمقراطية عن طريق العلمانية، وتذويبه السوريين في القومية بقصد إلغاء وجودهم الفعلي.

أما في ما يتعلق بالفرق بين الحداثة وما بعد الحداثة، ومناقشة أوجه النقد الذي وجه للحداثة، في سياق تطور المجتمعات الغربية، فهناك عشرات الكتب التي تناقش موضوعات كهذه، تباع منذ أكثر من أربعين عامًا “تحت جسر الرئيس بدمشق”، لأنها كتب لا تزعج النظام الأسدي في شيء، ما دامت لا تقترب من سورية والسوريين وتفضح استبداد المستبدين بهم.

إن المهمة الأساس التي أخذتها مجلة قلمون على عاتقها منذ تأسيسها الإسهامُ في التأسيس لعلوم إنسانية سورية، تعالج وتناقش وتحلل أوضاع سورية والسوريين في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة. تفكر في طوائف السوريين وإثنياتهم وأيديولوجياتهم وأرزاقهم وثقافتهم وأحزابهم وسجونهم وريفهم وحواضرهم وأدبهم وفنونهم. ولعل العدد الأخير الذي ناقش قضية تفاعل الدين والسياسة في سورية يعد من أهم الخطوات التي قطعت في سبل التأسيس لتلك العلوم.

في هذا السياق، فإن بعض بحوث المجلة فضلت أن تقوم بوصف المفهومات التي تتحدث عنها، ولكن هناك بحوث تعتقد أن هناك اتفاقًا على مضمون المفهومات، وأن تعريفها لا يضيف شيئًا جديدًا للبحث. والطريقتان متبعتان في المناهج العلمية المعاصرة. فمثلًا إذا عدنا إلى مفهوم الحداثة، ليس من الضروري إعادة تعريفه في كل موضع يرد فيه، لأن هناك معنى عامًا مستقرًا في ذهن علماء الاجتماع جميعهم عن الحداثة، من حيث هي قيم تقوم على حقوق الإنسان والمساواة والحريات والمواطنة والعلمانية. ولذلك لا يوجد حداثات، كما يعتقد كاتب التقرير النقدي، بل هناك حداثة واحدة، وكل من لا يقبل بتلك القيم يخرج من مفهوم الحداثة. ولكن ضمن مسار الحداثة التطبيقي في مختلف البلدان قد تحصل اجتهادات وتغيرات في أساليب التطبيق، ولكن ذلك لا يمس بـ “البنية الصلبة” التي تكوّن مفهوم الحداثة. وعلى ذلك لا يستقيم أن نقول مثلًا إن هناك حداثة ترفض حقوق الإنسان، أو لا تقبل بالعلمانية، ولذلك لا يمكن الحديث عن حداثات. وما ينطبق على الحداثة ينطبق على العلمانية؛ فالعلمانية واحدة في العالم الغربي، وبنيتها الصلبة واضحة، ولا توجد علمانيات، كما توهم درويش، فالأحزاب ونُظُم الحكم أما أن تكون علمانية أو لا تكون، وكون النظام الأسدي طبق نسخة مشوهة من العلمانية، وفرق بينها وبين الديمقراطية، لا يجعلنا نقول إن العلمانية علمانيات. العلمانية في تركيا وفرنسا وأميركا والسويد واليابان واحدة، هناك اختلافات في التطبيقات هنا أو هناك، مثلًا فرنسا لا تريد للطالبات أن يلبسن الحجاب، ولكن السويد ودول أخرى تقبل بذلك، ولكن هذا الخلاف لا يمس بجوهر العلمانية من حيث هي إبعاد سلطة ممثلي الأديان عن السياسة بمجالاتها كلها، وحيادية الدولة تجاه الأديان. في السويد وفرنسا يقرر البرلمان فقط في مسألة الحجاب، وهذا هو جوهر العلمانية من حيث إن السلطة للشعب، وليست لرجال الدين. تفتيت العلمانية إلى علمانيات، والحداثة إلى حداثات، والإسلام السياسي إلى إسلامات، عملية تربك البحوث العلمية وتحولها إلى بحوث غارقة في التفاصيل وتفاصيل التفاصيل، بقصد تمييع الموضوع أو الادعاء بالتعالي العلمي، أو نقل وجهة البحث من سورية والسوريين إلى مشاغل نظرية تتعلق بالفرنسيين والألمان وغيرهما. ترغب مجلة قلمون بمناقشة العلمانية في سورية، والإسلام السياسي في سورية، وإلى أي مدى يحتاج السوريون إلى الحداثة، وغير معنية بكيفية تطبيق العلمانية في بريطانيا مثلًا، لأن بريطانيا ليست سورية، ومستوى تطورها، ومشاغلها، يختلف عما هو عليه في سورية.

في النهاية، فإن الموضوعية موضوعيات، وليست موضوعية واحدة، وهي تختلف بحسب المنظور الفلسفي لكل مفكر. والتعريفات الوصفية صيغة من صيغ الموضوعية لا أكثر، ولا يمكن اتهام بحث باللاموضوعية لأنه لا يستخدم طريقة تعريفات المصطلحات وصفيًا. هناك مئات التعريفات للحداثة، وأكثر من 100 تعريف للثقافة في الفكر العالمي، غير أنه لا يمكن القول بأن هذا التعريف أكثر موضوعية من ذاك. نرغب بالمجادلة أكثر لنقول إن الأيديولوجية قد تكون الدافع الرئيس لاختيار تعريفات معينة للمفهومات، مثلما يمكن أن تكون الحافز الأساس للوصول إلى نتائج معينة لبحث مبني بناءً معرفيًا/ وصفيًا دقيقًا.

وما نريد أن نقوله في نهاية مناقشة قضية العلاقة بين الموضوعية والذاتية، أو بين الأحكام الوصفية والمعيارية أنه على الرغم من محاولة كاتب التقرير النقدي تجميل انتقاداته غير الموضوعية بقوله “ربما أفضى هذا المنظور أو (آلية) تطبيقنا له، في هذه الدراسة، إلى تقديم نظرة وانطباعات غير متوازنة عن المجلة، بسبب ما يبدو أنه زيادة التركيز على السلبيات، وعدم التركيز، بالقدر نفسه، على الإيجابيات. ونحن نود تصحيح تلك النظرة والانطباعات المفترضة، والتشديد على أن المجلة تضم عددا من الأبحاث المهمة، بل والرائدة في مجالها، وأن تلك البحوث لا تستحق القراءة فحسب، بل وتستحق أن تكون موضع نقاش وأساسا لبناء ترا كم معرفيين” (ص 44)، لكنه لا يخبرنا أي الأبحاث تلك حازت على الجدارة، وهنا أيضًا يناقض نفسه في مستويين، فهذا القول لا يتّسق مع تعميم السلبيات (لا مجرد التركيز عليها) الذي مارسه على طول الخط من جهة، ومن جهة ثانية كيف توصّل إلى هذه الإشادة ببعض الأبحاث، مع تأكيده أن تقريره النقدي “لم يتضمن أي تقييم كامل لأي بحث من بحوث الملف”؟!

ثم يعود كاتب التقرير ليقول: “يظهر أنّ المرونة المعرفية التي تتحلى بها المجلة شديدة وزائدة عن الحد” (ص47)، لكنه لا يخبرنا ما هي “معايير المرونة المعرفية” التي يراها، والتي تقبلها المجلة وتنشرها، وما هو هذا “الحد الأدنى المعرفي” الذي يجب أن يرتفع، ولأي درجة. أليست هذه الأحكام “أحكامًا معيارية جازمة “على المجلة وأبحاثها ودرجة المعرفة وحدودها فيها؟

ولتقييم ونقد أي مقولة أو فكرة أو خلاصة في مواد المجلة، لا تتوافق مع مسطرته الأيديولوجية أو المفاهيمية أو انحيازاته الفكرية، يكتفي درويش باتهامها بـ “هشاشة موقفها المعرفي أمام أي تحليل مفهومي، أو قراءة تاريخية، للظاهرة المدروسة”(ص7)، وكأنّ الجملة محقة لمجرّد أنه ينطق بها. وكذلك حين يرفض كل طرح لا يعجبه، بزعم أنه “يفتقر إلى ما يسوّغه معرفيا”. ألا يبدو هذا النوع من الرفض والتقييم المتعسّف مفتقرًا إلى ما “يسوّغه معرفيًا”، ما دام أنه اعترف في خاتمة تقريره النقدي أن دراسته هو نفسه “عاجزة بالتأكيد عن أن تتناول بالتحليل والنقد والتقييم، أو حتى بالوصف فقط، كل ما جاء في الملف. ولم تتضمن الدارسة أي تقييم كامل لأي بحث من بحوث الملف، واكتفت بمناقشة ما جاء فيها، “مناقشة عامة”، من جهة، ومناقشة منظورية من جهة أخرى” (ص 46)؟.

ثم إن مجلة قلمون لا تهدف إلى تبني نزعة “أكاديمية” شكلانية، تعكس ضربًا من التقيّد الحروفي والهيام بالمصطلحات التي يريدها درويش مضبوطة بطريقة حديدية. ويبدو أنّ المعرفة عنده شرح مصطلحات ومفاهيم وإنتاج مزيد من المصطلحات والمفاهيم، على ما يظهر في (ص 9) حين يخبرنا عن غاية المعرفة والبحث لديه: “فما هو مطلوب هو التمييز المفاهيمي، إظهار التمايزات.. التي يمكن أن توجد، من حيث المبدأ.” وقد طلب ذلك من كل بحث يمر على مفهوم هنا أو مصطلح هناك، ولو كان المفهوم ثانويًا وليس رئيسًا في البحث.

ثانيًا: هل “المواقف” غير علمية بالضرورة؟

يعيب كاتب التقرير النقدي على المجلة أن لها رسالة وشخصية ثقافية/ سياسية تتبناها منذ عددها الأول. وتقوم شخصية المجلة ورسالتها على أن قضية السوريين وكفاحهم لنيل حريتهم وإقامة مجتمع مبني على المساواة والعدالة واحترام حقوق الإنسان قضية أساسية للمجلة. أما وسيلتها لتحقيق ذلك فتقوم على استخدام الثقافية وسيلة للتأثير في السياسة، ولذلك تتبنى المجلة البحوث التي تحقق هذه الشخصية، وتستخدم مختلف نظريات العلوم الإنسانية المعاصرة ومناهجها، للقيام بتحليلاتها ومناقشاتها للوضع السوري. غير أن كاتب التقرير النقدي يظن أن هذه الرسالة خطرة، وقد تطيح بالأساس العلمي للبحوث، وتخلط الأيديولوجيا بالمعرفة، والثقافة بالسياسة. مثلما يمكن أن تؤدي إلى انزلاق المجلة -كما يرى التقرير النقدي- في “التقابل بين قطبين مانويين، ندافع عن أحدهما أو ندعو إليه ونشيد به، من جهةٍ، ونرفض القطب الآخر أو نهاجمه أو ننتقده ونبين سلبياته، من جهةٍ أخرى” (ص3). وأن ذلك “من العلامات أو القرائن القوية الدالة على وجود الفكر الأيديولوجي” في المجلة (ص3). أما مشكلة مثل هذه السياسة للمجلة أنها ترفع “الرايات الأيديولوجية التي ترى في طرفٍ ما (المشكلة)، وفيما يناقض ذلك الطرف (الحل)، بدون وجود تدرجٍ أو منطقةٍ وسطى ما بين الجنة/ النور والجهنم/ النار” (ص10).

غير أن مجلة قلمون ترى أن اتخاذ المرء موقفًا سياسيًا من قضية ما لا يعني بالضرورة أن موقفه لامعرفي أو غير علمي، أو يريد إقصاء الآخر بالضرورة. علماء العلوم الإنسانية وأساتذة الجامعات المرموقة في العالم جميعهم لهم مواقف سياسية واضحة تجاه قضايا العصر. حتى جائزة نوبل المعروفة تعطى في بعض الأحيان لأسباب سياسية، وهي صادرة من واحدة من أرقى الاكاديميات في العالم، كما أن طه حسين فُصل من الجامعة لأسباب سياسية على بحوث كتبها بأعلى درجات الدقة العلمية، والأمثلة هنا بالمئات وليست، بالعشرات.

النقد الذي وجهه كاتب التقرير النقدي للمجلة بوجود “تأثيرٍ سلبيٍّ للسياسة/ الأيديولوجيا في الثقافة/ المعرفة”. (ص9)، هو ذاته نقد غير علمي، لأن العلوم المعاصرة لا ترى هذا التأثير السلبي إلا في حال أن الباحث لم يلتزم بالروح العلمية في بحثه. الروح العلمية والدقة المنهجية هما قاعدتان أساسيتان للبحوث المنشورة في مجلة قلمون، أما وجود تراخٍ علمي في نقطة ما من بحث ما، فهو أمر قد يحدث في بعض البحوث، ولكنها قضايا لا تجرح علمية البحوث. والباحثون في العالم ليسوا جميعًا على السوية نفسه والنشاط العلمي ذاته. كما أن اهتمام بعض البحوث، ومنها كلمة العدد، بالجانب السياسي للموضوعات التي يتم تحليلها، لا يعني بالضرورة نيلًا من الجانب المعرفي، بل يعني صبّ الاهتمام على الرسالة السياسية التي تؤديها المجلة عن طريق المعرفة والثقافة.

يضاف إلى ذلك أن بحوث المجلة لا تتخذ موقفًا أحاديًا “مانويًا”، كما يحلو لكاتب التقرير النقدي أن يردد. بحوث المجلة حللت الوضع الاجتماعي والسياسي في سورية، وكشفت الأطراف التي تتلاعب بالدين والطوائف والمذاهب لخدمة مصالح استبدادية، سواء أتى هذا الاستبداد من النظام السوري أم من بعض الرموز الدينية والثقافية، مثلما كشفت آليات عمل أولئك المستبدين، وشبكة التأثيرات الخفية التي يمارسونها. وهي بذلك تعتقد أنها تساعد السوريين في فهم أنفسهم وأوضاعهم الدينية بطريقة فضلى. وعلى ذلك، فإن النظر في بعض الأطراف على أنها “شريرة”، لأن هذه الأطراف لا ترى أي مستقبل لها إلا عبر إقصاء السوريين والنيل من حقوقهم؛ مشكلة تلك الأطراف، وليست مشكلة المجلة، ولذلك فإن أولئك الأشرار هم الذين عليهم أن يتحملوا تبعات مواقفهم، ولا يتعلق الأمر بنظرة أحادية من قبل المجلة. على النقيض، فإن المجلة منهمكة إلى أقصى درجة بفضح أولئك المستبدين أمام الشعب السوري عن طريق العلوم الإنسانية.

يمكن المجادلة بأن كل من لا يقبل بقاعدة الحداثة، ويعادي قيمها القائمة على حقوق الإنسان والمواطنة والمساواة والحريات هو آخر و”شرير”، لا بالنسبة إلى مجلة قلمون -كما توهم كاتب التقرير النقدي- بل بالنسبة إلى مستقبل السوريين الذي تفكر فيه المجلة. ولذلك فإن تعريته، وتوضيح مكامن قوته، والأوضاع التي يوظفها لخدمة نفسه، وشبكة العلاقات الخفية التي يبنيها، يقع في صلب رسالة المجلة. وعلى هذا، فإن التدرج أو المنطقة الوسطى التي تحدث عنهما درويش تقليد شعبي، وليست تقليدًا علميًا، يُعبَر عنه في الثقافة الشعبية السورية بـ “تبويس الشوارب”، وهي طريقة تقفز على أي حال فوق المشكلات، وقد تفتح باب التنازلات والمساومات.

ثالثًا: في لعبة التفسيرات المختلفة للظاهرة الواحدة

يمارس كاتب التقرير النقدي مع بحوث مجلة قلمون لعبة تشبه لعبة النصوص التي تمارسها المدارس الإسلامية المختلفة في الفقه حتى يومنا هذا. وتقوم هذه اللعبة على أن كل من يريد أن يقدم تفسيرًا ما أو رأيًا فقهيًا أو شرعيًا معينًا يعود إلى النصوص الأساسية في الدين الإسلامي، ويختار ما يشاء من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية، ويخضعها لتأويله الخاص بحيث تنسجم مع وجهة نظره، مع تجاهله الآيات التي لا تتناسب مع موقفه الفقهي الذي يريد فرضه على الآخرين. ثم يأتي الفريق الآخر، ويأخذ أيضًا من تلك الآيات الكريمة والأحاديث النبوية ما يناسبه، ويتجاهل كل الآيات التي لا تناسب موقفه. وهكذا يمكن أن نجد عشرات الآراء الفقهية والتفسيرات والتأويلات المختلفة والمتناقضة لقضية فقهية معينة. في هذه اللعبة كثيرًا ما يلجأ اللاعبون إلى تأويل النصوص لدرجة تخرجها من معناها البسيط والمباشر.

وهذا ما يقوم به كاتب التقرير النقدي في تعامله مع التفسيرات التي تقدمها بحوث مجلة قلمون للظواهر والموضوعات التي درستها. يقتطع فقرة من النصوص المكتوبة في المجلة، ويؤولها بالطريقة التي يريد، ويستخرج منها الأحكام التي تحلو له. ولا سيما أنه في العلوم الإنسانية المعاصرة يمكن القول إن أي تفسير لأي ظاهرة اجتماعية وسياسية قد يُقابل بتفسير آخر محتمل. وهذا يعني أن في العلوم الإنسانية تفسيرات عدة تتصارع لتقديم فهم أكثر علمية لظاهرة معينة. هكذا يمكن تقديم تفسير اقتصادي أو اجتماعي أو أخلاقي أو أنثروبولوجي أو ديني لظاهرة من الظواهر.

يستغل كاتب التقرير النقدي هذا الأمر ليقدم تفسيرات لبعض القضايا على الضد من التفسيرات الموجود في بحوث المجلة بدعوى أنها الأدق، وأن تلك البحوث أخطأت أو جانبت الصواب في تفسيراتها. حتى إنه لا يدلل على ذلك، أو لا يشغل باله بتقديم أدلة واضحة لتفسيراته، وكأنه هو شخصيًا الضامن صوابَ تفسيراته. ويقدم أيضًا تفسيرات محتملة وبديلة من التفسيرات الموجود في البحوث، غير أنها تفسيرات لا تقلل من أهمية التفسيرات الواردة في بحوث المجلة. لدرجة أنه يتجاهل أجزاء مهمة من البحث لكي يقول كلامًا لا يريد البحث أن يقوله. ولا بأس من العودة إلى بعض الأمثلة لتوضيح تلك الحيلة.

يُفسَّر تسامح الإيزيدية وانفتاحها من قبل كاتب بحث “الإيزيدية المكون الغائب من النسيج السوري” بأنه يعود إلى تعاليم الإيزيدية التي تدعو إلى التسامح، بينما يرفض كاتب التقرير النقدي ذلك التفسير، ويرجع تسامح الإيزيدية إلى قلة عددهم وضعف شوكتهم. المشكلة أن كاتب بحث الإيزيدية نفسه يشير إلى تفسير تسامحهم، في مكان آخر من بحثه، بقلة عددهم عندما يشير إلى أن شعورهم بأنهم أقلية جعلهم يتبنون مفهوم المواطنة في الدولة السورية[2]، وعندما يشير أيضًا إلى أن خارطة تحالفاتهم وتكتيكاتهم مع الأطراف المحلية السورية واللاعبين الدوليين التقليديين في المنطقة، خاصة أيام الفرنسيين والعثمانيين، كان بسبب وضعهم في سورية من حيث هم “تجمعات منسية صغيرة”[3]. وهذا يعني أن كاتب التقرير النقدي لا ينقد البحث المذكور بناءً على قراءة كاملة ودقيقة للبحوث، إنما يقوم بتصيد جمل هنا وفقرة هناك من دون أن يكبد نفسه مشقة قراءة البحوث وانتقادها بإنصاف. ما يزيد الحرج هو أن البحث الذي نتحدث عنه لا يشير فقط إلى أن الإيزيديين قليلو العدد وحسب، بل إلى أنهم يعون هذا الوضع، ويرسمون سياساتهم وعلاقاتهم بالمكونات الاجتماعية والدينية المجاورة، وبالدولة السورية، بناءً على ذلك، لدرجة أن إدراكهم هذا الوضع يكاد يتحول إلى قضية شبه بدهية في البحث المذكور، حيث يذكر الباحث هذه المعلومة ودلالاتها عشرات المرات. وهنا نكتفي بذكر بعضها: جماعة تسعى إلى ” المحافظة على كينونتها”[4]، “بوصفها مجموعة دينية صغيرة”[5]، “حماية الأقلية الدينية من الأكثرية”[6]، “الإيزيدية بوصفها مكونًا سوريًا مغيبًا من الدساتير السورية”[7]، خوّف النظام الإيزيديين من الثورة ولوح بإمكانية أن يبطش بهم كونهم أقلية”[8].

رابعًا: في مأزق النقد الذاتي والانتقائي

يقدم كاتب التقرير النقدي في كل زاوية من ورقته ملاحظات نقدية أبوية مفادها أن العمل لا يجب أن يكون على هذا النحو بل على هذا النحو. ولكي يمرر مثل هذه الملاحظات ويلبسها لباسًا موضوعًا يفرض مهمات معينة على المجلة القيام بها، وعلى ذلك، فالمجلة لم تحقق النجاح لأنها لم تقم بتلك المهمة التي وضعها هو للمجلة، علمًا بأن المجلة لا تفكر بتلك المهمة، ولا تريد أصلًا القيام بها، بل تعدها مهمة غير مجدية، وليست علمية.

على سبيل المثال، يطالب التقرير النقدي المجلة بتقديم “الترابط العضوي والتكامل بين الأبحاث التي يتضمنها (العدد الأخير من المجلة)، من خلال صياغة إشكاليةٍ محددةٍ واضحة المعالم تمثل الأبحاث أطروحاتٍ مختلفةً ومتكاملةً، للإجابة عن الأسئلة الرئيسة التي تتضمنها. كما كان يمكن وينبغي لكلمة العدد، بوصفها تقديمًا لأبحاث ملف هذا العدد، وعرضًا لأهم مضامين تلك الأبحاث، ونتائجها، أن تتضمن ضبطًا معرفيًّا، وصفيًّا ومعياريًّا، لعددٍ من أهم المفاهيم المستخدمة: الحداثة، الإسلام (السياسي أو الجهادي)، العلمانية …إلخ، وعرضًا للأسس النظرية التي تجمع وتميِّز بين الحداثات المختلفة والإسلامات المختلفة، والعلمانيات المختلفة … إلخ” (ص9).

هنا، لا بد من التذكير أن الباحثين الذين يكتبون في مجلة قلمون من مشارب ومدارس فكرية مختلفة، ولا يمكن أن يكون هناك تعريفات محددة للمصطلحات يوافق عليها الجميع، فضلًا على أن الأسس النظرية للبحوث وتعريف المفهومات واستخلاص النتائج أمر متروك للباحث نفسه، ولا علاقة لكلمة العدد بذلك، لأن كل كاتب هو الذي يحدد معنى مفاهيمه في بحثه، وهو الذي يستخلص النتائج التي يتوصل إليها. ولو أن كلمة العدد قامت بذلك الأمر، وفرضت على الكتّاب جميعهم تعريفات محددة للمفاهيم المستخدمة في البحوث لأسرع كاتب التقرير النقدي نفسه إلى القول بأن رئيس التحرير يفرض تعريفاته ومعاييره على الباحثين الذين يكتبون في المجلة.

لم يوضح كاتب التقرير النقدي لماذا على كلمة العدد القيام بكل تلك المهمات التي ألقاها على عاتقها، وهي مهمات تذكر بالمهمات التي قامت بها البيانات السياسية الكبرى في اللحظات التاريخية الفاصلة. لا نعرف لماذا لم يلاحظ التقرير النقدي وجود ذلك التوافق شبه الضمني بين كلمة العدد وبحوثه. ثم هل بالفعل على الكلمات الافتتاحية للمجلات العالمية أن تتضمن دائمًا ضبطًا معرفيًا ووصفيًا ومعياريًا للمفهومات المستخدمة في بحوث المجلات؟. يمكن المجادلة بأن هذا التقليد الذي يريد التقرير أن يلزم المجلة به ليس من التقاليد العلمية للمجلات العلمية المحكمة، وليس لزامًا على المجلات العلمية في العالم القيام بهذه الأمر في افتتاحياتها.

يضاف إلى ذلك أن التقرير النقدي يتناول العدد الأخير من مجلة قلمون بوصفه كتابًا لمؤلف واحد فقط، وليس مجلة تتضمن عشرات البحوث والدراسات لعشرات الكتاب والباحثين. وهي طريقة لجأ إليها درويش لكي يُلبس المجلة نوعًا من التنافر المفتعل بين بحوث المجلة المختلفة، أو بين كلمة العدد وتلك البحوث، أو للقول بأن فصول الكتاب لا يتناسق بعضها مع بعض وبينها اختلافات كبيرة، أو أن الكتاب (المجلة) استخدم بعض المفهومات بأكثر من معنى، وهي طريقة أقل ما يقال عنها أنها غير علمية.

مثل تلك الطريقة ساعدت درويش -مثلًا- على اختراع المشكلة الآتية:

يقول التقرير النقدي في الصفحة (12): “يخصص البحث الثاني أكثر من ثلاث صفحاتٍ للحديث عن “الجمعيات الإسلامية”، على الرغم من أن البحث الأول مخصصٌ بالكامل للحديث عن تلك الجمعيات، وبدون أن يقدم البحث الثاني ما يسوِّغ تكراره لتلك المعلومات”.

يعرف كاتب التقرير النقدي جيدًا أن بحوث المجلة كتبت بصورة مستقلة من قبل عدد كبير من الباحثين، ولا يمكن لهيئة التحرير المجلة حذف معلومات من أحد البحوث لأنها مكررة في بحث آخر. ولا سيما أن عددًا كبيرًا من القراء يختار بحوث معينة لقراءتها ولا يقرأ المجلة بشكل كامل. علاوة على أن الحذف قد يخل ببنية البحث نفسه. ثم ماذا سيكون رد فعل كاتب التقرير نفسه لو أن هيئة تحرير مجلة قلمون حذفت فقرات من بحثه بحجة أن المعلومات الموجودة في هذه الفقرات وردت في بحث آخر؟.

إن النظر إلى أبحاث المجلة، على أنها تشكّل كتابًا واحدًا لمؤلف واحد، ساعد التقرير النقدي أيضًا في النظر إلى الاختلافات بين البحوث، وهو أمر طبيعي، على أنها أمر غير طبيعي، وأن هناك خللًا ما في المجلة. هكذا يغدو من المستغرب -من وجه نظر التقرير النقدي – أن نجد بحثًا يتبنى المنظور العلماني، بينما يتبنى بحث آخر المنظور الإسلامي، أو أن نجد بحثًا يعنى بإشكالية معينة، في حين يعدها بحث آخر إشكالية ثانوية ويركز على إشكالية أخرى. ثمة بحوث ترى أن سورية لم تدخل في مرحلة الحداثة أصلًا، بينما ترى بحوث أخر أن سورية دخلت بطريقة ما في مرحلة الحداثة. هذه الاختلافات في وجهات النظر أمر طبيعي وحيوي، كما ذكرنا، بين بحوث كتبت من قبل عدد من الباحثين المختلفين في الرؤى والثقافات والمدارس الفلسفية، تثير ذهول كاتب التقرير النقدي من دون أن ينذهل من طريقته في قلب الأمور لإثبات أنها مقلوبة، على طريقة “سرير بروكست” الشهيرة، وهي طريقة يقوم فيها قاطع طريق يوناني بقص أطراف ضحاياه أو مطها حتى تتناسب مع طول السرير الذي يمددهم عليه. حتى إن التقرير النقدي يستخدم هذه الطريقة في أكثر من خمسة مواضع على الأقل. (راجع الصفحة 10 مثلًا).

قضية ذاتية أخرى يريد كاتب التقرير النقدي فرضها على مجلة قلمون وتتعلق، هذه المرة، بحجم البحوث المنشورة، وسعة موضوعاتها. ففي تعقيبه على أحد الأبحاث متناولًا “اتساع مساحة البحث وتأثير ذلك في مضامينه”، يقول درويش: “أفضت محاولة البحث تغطية تلك الفترة الطويلة إلى اقتصاره غالبا، على الأقل، على عرض معلومات عامة لا تقدّم أي إضافة معرفية (“مهمة”) غالبا، وعلى أن يكون مجرّد وصف عام وتحليل بسيط لا يخلو من التبسيط والأحادية في كثير من الأحيان” (ص 11). لكن ما قد يكون “عرض معلومات عامة لا تقدّم أي إضافة معرفية (“مهمة”)” من وجهة نظر درويش، ربما يكون جديدًا وإضافة (“مهمة”) لآلاف القراء وعشرات الباحثين والأكاديميين من غير المتخصصين في المجال المبحوث. وبناء على معايير درويش نفسه، ربما أمكن القول إنه هو نفسه سقط في العمومية والتبسيط، إذ “لم تتضمن الدارسة (التقرير النقدي) أي تقييم كامل لأي بحث من بحوث الملف، واكتفت بمناقشة ما جاء فيها “مناقشة عامة””، وفق وصفه هو نفسه ورقتَه النقدية.

 خامسًا: حول التوظيف السياسي للدين في سورية

يهاجم كاتب التقرير النقدي عددًا من البحوث التي وجدت في التوظيف السياسي للدين إحدى القضايا التي استفاد منها النظام كثيرًا، ووظفها لمصلحته، معتبرًا أن التشابك بين الديني والسياسي أمر ليس دائمًا “شرًا” في ظل نظام استبدادي. ويضيف أن “التشابك، الجزئي، بين الدين والدولة، ما زال قائمًا في إنجلترا/ بريطانيا، وكذلك هو حال التشابك بين الدين والسياسة والدولة في ألمانيا، من دون أن ينفي ذلك وجود “حداثة سياسية” في هذين البلدين. والحديث عن أن الحداثة تقتضي، بالضرورة، العلمنة التي تتطلب، بالضرورة، عدم توظيف الدين في السياسة، وفض التشابك بينهما، يفتقر إلى ما يسوِّغه معرفيًّا. ويبدو ذلك الافتقار واضحًا، إذا أخذنا في الحسبان الانتقادات الشديدة التي وُجِّهت، في العقود الخمسة الأخيرة خصوصًا، إلى نظرية أو نظريات العلمنة القديمة التي كانت تتبنى مثل ذلك الطرح، وتروِّج له، لكنها أصبحت مهجورةً عمومًا، في العلوم الاجتماعية المعاصرة عمومًا، وفي علم اجتماع الدين خصوصًا، خلال العقود القليلة الماضية” (ص7).

يلجأ كاتب التقرير النقدي إلى التقسيم المصطنع للعلمانية إلى علمانيات، لإثبات بطلان البحوث التي تضمنها العدد الأخير من المجلة، والتي ترى أن توظيف الدين في السياسة كله شر، ولا يخدم سوى الأنظمة الفاسدة. والباحث هنا يلجأ إلى الخلط بين حضور الدين بوصفه موروثًا ثقافيًا واجتماعيًا في بريطانيا وألمانيا، وحضوره السياسي المباشر. العلمانية عمومًا واضحة جدًا في هذه النقطة، وليس للانتماءات الدينية ورجال الدين أي دور سياسي واضح في كيانات الدولة السياسة وسلطاتها التشريعية والتنفيذية، والحديث عن توظيف الدين في السياسة، في بريطانيا وألمانيا، حديث لا يتعلق بوضع عام وسياسات دول، بأحسن الأحوال قد يتعلق بحادثة فردية هنا أو هناك.

ومن ثم، فإن تلك الحوادث الفردية لا تشكل حجة علمية يمكن أن يؤسَّس عليه موقف واضح من التوظيف السياسي للدين في سورية. في غالبية الدول العلمانية هناك حضور للديني في المجتمع عمومًا. هناك مثلًا مدارس تابعة لكنائس، تلفزيون رسمي ينقل الاحتفالات الدينية، جمعيات دينية تعمل خيريًا، وتجمع الأموال من الناس، مبشرون يطرقون أبواب البيوت ويدعون الناس لدين معين، أحزاب تضع رموزًا دينية على أعلامها …). ولكن هذه المظاهر ليست لها علاقة بالعلمانية وعلاقة الدين بالسياسة، هذه بكل بساطة قضايا اجتماعية ثقافية يمارسها الناس في حياتهم. أما الدولة فهي حيادية تجاه سلوكيات من هذا القبيل، حتى إنها تدعم في بعض الحالات نشاط المؤسسات الدينية، إذا وجدت في هذا النشاط ما يفيد المجتمع ككل، ولكن من باب مصلحة المجتمع، وليس من باب السماح للطبقة الدينية بممارسة دور سياسي في المجتمع.

في بحث “الدين والدولة وسؤال المأسسة: وزارة الأوقاف السورية أنموذجًا”، يوجه الباحث في بحثه نقدًا لـ “الأصولية الإسلامية”، ويجعلها أحد أوجه المشكلة في سورية، بل إن النظام السوري استفاد من مثل تلك الأصولية الموجودة على أية حال قبل قدومه، ووظفها، واستفاد منها عبر الطبقات الدينية ووزارة الأوقاف نظرًا للتشابه بين عقيدتي البعث وتلك الأصوليات. غير أن ذلك لا يعني -كما يحلو للتقرير النقدي أن يستنتج- أن هذا الكلام يصب في “التوجه العلمانوي الثقافوي الذي ينظر إلى الإسلام أو إلى الأصولية المرتبطة به، على أنها أسُّ أو أصل المشاكل” (ص 10). هنا نقع مرة أخرى في إشكالية قراءة مقتطفات من البحث قراءة سريعة، من دون التركيز على ما يريد أن يقوله الباحث من بحثه. أصل المشكلة في البحث المذكور هو النظام السوري، وليست الأصولية الإسلامية. النظام هو الطرف الأقوى، وهو من أبقى على القوى التقليدية كلها من أصوليات وغيرها، وهو الذي يوظفها ويستفيد منها بكل الوسائل التي يمتلكها. أما وجود هذه الأصولية قبله، وأنها كانت سلطة تقليدية متخلفة، وأنها من طينة الأيديولوجيات القومية، فهذه أمور متوافق عليها حتى عند الإصلاحيين الإسلاميين أنفسهم، ولا تفضي بالضرورة إلى علمانوية ثقافوية. فالبحث الذي نتحدث عنه يؤكد بوضوح شديد أن النظام السوري ومؤسساته الدينية “هي نفسها العامل الأهم في إنتاج الأصولية وأنماط جديدة من العمل والفكر الأصولي” [9].

وهنا نصل إلى القول بأنه عندما قال كاتب التقرير النقدي: “ما سبق ذكره حتى الآن يتعلق بمضمون العدد المزدوج عموما، وبمضمون ملفه عن “الدين والمجتمع” خصوصا، ومن منظورٍ جزئي ونسبي محدد” (ص26)، كان حريًا به القول: “من منظور مجتزأ واستنسابيّ انتقائي”.

سادسًا: لا تناقض بين الخبرات الشخصية والبحث العلمي

يجادل كاتب التقرير النقدي في تقريره حول “إيجابيات الاعتماد على الخبرة الحية والملاحظة بالمشاركة والفاعلين السياسيين ومحاذير ذلك الاعتماد وسلبياته” (ص 20). ويقصد بذلك أن عددًا من البحوث المنشورة في المجلة اعتمد على خبرات الكتّاب وتجربتهم الشخصية، وأن لذلك سلبياته، ويمكن أن يجرح الموضوعية العلمية لتلك البحوث. معتبرًا أن كتابة بعض البحوث من قبل أفراد من الطائفة نفسها عن طوائفهم أمر يخل بموضوعية البحث، وليس هناك ضمانات بأن الباحث لا يتعاطف مع طائفته.

في البداية لا بد من القول إن انجاز مثل تلك البحوث ذات الطبيعة الطائفية والإثنية الحساسة، مع المحافظة على قدر كبير من المهنية والعلمية، في الوقت نفسه، يعد من الإنجازات المهمة التي نجحت هيئة التحرير في تحقيقها. ونذكر هنا الجهد الصعب والمضني والطويل الذي بذله رئيس التحرير في المراجعة والتدقيق والتعديل، والتواصل مع الكّتاب، واختيار الكتّاب ذوي التكوين العلمي والموضوعي، حتى إن بعض البحوث كُتِب ثلاث مرات.

نصف هذا المنجز بالمهم لأن اقتحام موضوعات كهذه شبيه باقتحام حقل ألغام، عليك فيه أن تنتقد الفاعلين بقسوة، وتحّمل بعض الأطراف مسؤولياتها، وتهدم أوهامًا عمرها مئات السنين، من دون أن تثير الحساسيات الطائفية والمذهبية، أو تخلق نوعًا من سوء التفاهم. كما أن المجلة ترى أنه في بعض الحالات يمكن للخبرات الشخصية وتجارب بعض المنخرطين في شأن معين أن تكون أمرًا حيويًا، لا يقل أهمية عن المصادر التقليدية للتوثيق.

لم يتمكن التقرير النقدي من توجيه نقد له قيمة للبحوث التي كتبت عن الطوائف والإثنيات في سورية من قبل باحثين ينتمون للطائفة نفسها، ولم يجد ما يخل بعلمية تلك البحوث، وهذا دليل على أن تخوف التقرير النقدي من انزلاق مواقف الباحثين وتعاطفهم مع طوائفهم أمر كان الباحثون الذين كتبوا في مجلة قلمون متيقظين له بدرجة عالية، وهذا يعود طبعًا للشخصية العلمية الرصينة التي يتحلى بها كتّاب المجلة. ولأن كاتب التقرير النقدي لا يبدو أنه يعير اهتمامًا كافيًا لخصوصية الوضع السوري، وسياسات التلاعب بالجانب الديني، فهو لم ينتبه إلى هذا الخيار الصعب الذي أخذته المجلة على عاتقها، أي حساسية أن يقوم طرف بنقد طائفة وأوضاعها الدينية والاجتماعية، وهو ليس من هذه الطائفة. فالمجلة مدركة أنها تتعامل مع مستبدين شرسين يمكن أن يتلاعبوا بأي شيء، استخدموا سياسات “التنميط” السلبي على السوريين منذ عشرات السنين.

يتصور الكاتب في بعض الأحيان عيوبًا لا وجود لها في النص، والهدف هذه المرة هو بحث الإيزيديين مرة أخرى، والحجة أن البحث فيه حديث إيجابي ووردي عن الإيزيديين وأدوارهم الوطنية، ومحاربتهم الفرنسيين، وانخراطهم في المقاومة الفلسطينية، وأن هذا “تحيز” و”منظور جماعاتي ضيق” (19). علمًا بأن البحث نفسه يتحدث في فقرات أخرى عن مشكلات الإيزيديين، وتغيير مواقفهم، ووجود فئات من داخل الطائفة تتلاعب بهم، وأنهم في النهاية مجموعات غير متجانسة فكريًا وسياسيًا، ويعانون تكاثرَ المرجعيات المحلية والحزبية والمدنية الإيزيدية التي تتلاعب بهم وفق “أجنداتهم الخاصة”، وقد تعرضوا مثلهم مثل بقية مكونات المجتمع السوري إلى انقسامات بينهم حول طريقة التعامل مع النظام الاسدي وقوى الثورة السورية. ومثلما حاربوا الفرنسيين في مرحلة ما، فإنهم تعاونوا مع الفرنسيين في مراحل أخرى، حتى إن الفرنسيين منحوا شيوخهم “ألقابًا”، وأمنوا لأبنائهم بعثات دراسية، مثلما تطوع الشباب الإيزيدي في الجيش الفرنسي[10]. وهذه قضايا تثير حساسيات ضمن البيت الإيزيدي الداخلي، أو الأطراف السورية الأخرى، وليست بصورة مؤكدة حديثًا ورديًا ومديحًا في الإيزديين.

سابعًا: التوصيات العلمية للبحوث

يقدم عدد من الباحثين في خواتيم بحوثهم بعض “التوصيات” في نوع من الاستنتاجات العلمية، ومقترحات لمعالجة المشكلة المطروحة. يدين كاتب التقرير تلك التوصيات، ويصفها بدعوات أخلاقية لا تليق ببحوث معرفية، وأنها مجرد أيديولوجيا تحمل “نفسًا دعويًّا” يؤثر بالتأكيد في علمية البحوث (ص 14)، علما بأن أغلب رسائل الماجستير والدكتوراه والبحوث المحكمة في جامعات العالم كافة تحتوي في خواتيمها على “توصيات” يقدمها الباحث، ويضمنها مقترحات لمعالجة المشكلة أو القضية المطروحة، انطلاقًا من تحليله الظاهرةَ التي يدرسها، والخبرات التي كونها في أثناء البحث. مع العلم أن التوصيات التي يدرجها الباحثون ضمن خواتيم بحوثهم هي معظمها توصيات للمعالجة في ضوء ما حدده الباحث للمشكلة من أسباب، أي إن تلك الخواتيم هي في النهاية جزء من بنية البحث العلمية، وليست نصائح أخلاقية تحمل نزعة وصائية، أو انحيازًا للفئة التي يدرسها الباحث.

يأخذ كاتب التقرير النقدي -مثلًا- على بحث “في أسباب الحضور الباهت للتديّن الدعوي في الثورة السورية” أن خاتمته تتضمن مطالبة رجالات الإسلام الدعوي في سورية “بإعادة حساباتهم بشكل جذري، وتشجيع الناس على طلب حقوقهم من الحكام ولو بالقوة، ونبذ الفتاوى التي تنافق للأنظمة، والتخلي عن الجري وراء مصالحهم الشخصية والاستمتاع بالنجومية”، بحجة أن هذه التوصية أيديولوجية، وليست معرفية. علمًا بأن البحث يدلل على قضية أساسية تقول: إن رجال الدين الدعوي في سورية ليست لديهم قضية دينية أو سياسية، كما يوهمون الناس، وإنهم في النهاية أقرب للنجوم الرياضيين والفنيين، ولأنهم ليس لديهم قضية، فهم يتراخون في مواقفهم تجاه النظام، ويخدمونه بصورة غير واعية، وفي بعض الأحيان بصورة واعية. فمثلًا تفسيراتهم للثورة السورية بأنها “ابتلاء من الله”، وأن مشكلة السوريين تعود إلى تهاونهم في واجباتهم الدينية أو تراجع صلة الأرحام بينهم، هي في النهاية تصب في صالح النظام الذي يصفق بدوره لأي تفسير للثورة بعيدًا عن فساده وظلمه ونهبه للسوريين لمدة خمسين عامًا. وعلى ذلك فإن التوصية التي تطالب الدعاة الدينيين بمراجعة مواقفهم، والتنبه إلى أن النظام يستفيد منهم أكثر مما هم يتوقعون، هو أمر يصب في صلب البحث، وليس محض نصيحة أيديولوجية، ودعوة لفئة الدعاة بأن يدركوا دورهم السلبي، ويكفوا عن أن يكونوا مجرد شخصيات جامعة للمال وباحثة عن الشهرة -وهي قضية عرفها النظام جيدًا، واستغلها من أجل شراء ولاء عدد منهم، والبحث يتوسع في هذه النقطة- وأن يتحولوا إلى شخصيات داعية لحقوق السوريين.

ثامنًا: هل التوثيق حاجة علمية أم وسواس؟

يأخذ كاتب التقرير على أحد البحوث -مثلًا- قوله بأن الشيخ أحمد كفتارو كان مؤيدًا للنظام، من دون أن يوثق البحث هذه المعلومة من كتابات أو لقاءات أو تصريحات لأحمد كفتارو، وأن هذا أمر يجرح الصدقية العلمية للبحث (ص 23). يعرف كاتب التقرير النقدي جيدًا أنه بالنسبة إلى المواقف المعروفة والمعلومات المنتشرة انتشارًا واسعًا، ويمكن معرفتها بسهولة، فإن الأمر لا يحتاج إلى توثيق علمي. الصور التلفزيونية التي تظهر أحمد كفتارو متأبطًا يد حافظ الأسد شاهدها السوريون معظمهم في الأعياد لنحو 30 عامًا. كما أنه بوصفه مفتيًا للجمهورية العربية السورية يُعَيَّن من الرئيس تعينًا مباشرًا وفق الدستور السوري، وقد بقي كفتارو في منصبه طيلة المدة التي حكم فيها حافظ الأسد سورية، ولم يترك منصبه حتى وفاته عام 2004، ومن ثم، ليس هناك أي ضرورة علمية لتوثيق هذه المعلومة، إلا إذا كان هناك التباس معين أو مشكلة جديدة ظهرت، ويريد البحث مراجعتها.

تاسعًا: حول التوثيق واللغة وعلامات الترقيم

خصص درويش حوالى ربع تقريره لقضايا لغوية تتعلق بلغة البحوث وعلامات الترقيم وطرق التوثيق. وإذا كان هناك بالفعل بحوث تحتوي على أخطاء اللغوية، وعدم دقة في علامات الترقيم، وتحتاج إلى تصحيح، فإن هيئة التحرير تتحمل مسؤولية مثل تلك الهفوات، وتعد باستدراكها في الأعداد القادمة، ولا سيما أن التقرير النقدي بالغ كثيرًا في حجم تلك الأخطاء.

تجاوز عدد كلمات عدد مجلة قلمون المزدوج 230 مئتين وثلاثين ألف كلمة، وحوالى نصف البحوث أنجزها الباحثون أو وصلت إلى قسم التحرير في الشهر نفسه الذي ينبغي أن يصدر فيه العدد، ما يعني أن ضغط حجم العمل وزمن النشر يفرضان نفسهما على محرر واحد في المجلة، ومن ثم فالهامش لهنات وهفوات صغيرة موجود وطبيعي.

تعمل مجلة قلمون بنظام مدقق واحد فقط هو الذي يقرأ ويراجع في الوقت نفسه، ونتمنى أن يتاح لها الفرصة أن تعمل بنظام المدقق الأول ثم المراجع الثاني، كما هو متبع في المجلات الأخرى، في حال توافرت الإمكانات.  ولذلك فإن من يقرأ عشرات الصفحات قد يعتاد النظر في الملف، فلا ينتبه إلى وجود نون في آخر كلمة بدلًا من الفاصلة، أو إلى أن همزة “أو” غير موجودة، وهذا ما حصل في بعض الملاحظات الواردة في تقرير درويش، ولكنها على الرغم من ذلك هفوات معدودة، ولا تؤثر في فهم معنى النص، لا كما قال التقرير أنه يجب أن يعاد تحرير المجلة كلها من كثرتها. إن أحكامًا من مثل “أخطاء كثيرة، غير معدودة، ….” أحكام غير علمية وغير موضوعية.

يضاف إلى ذلك، ثمة أخطاء افترض التقرير أنها أخطاء، لكنها ليست كذلك. في المجلة سياسة تحرير واضحة تتعلق بـ “الأخطاء الشائعة” أي كلمات شاع استخدامها الخاطئ بين الناس، وهذا ما وقع فيه التقرير أيضًا. يضاف إلى ذلك أخطاء لا يسمح لأي مدقق أو محرر التدخل فيها، وهي أخطاء الشواهد والمقبوسات، أي إن الكاتب استند إلى شاهد من كتاب منشور سابقًا لكاتب آخر، وقد ورد في هذا الشاهد أغلاط لغوية، فإن الأمانة العلمية تفرض علينا قبول الشاهد بأخطائه من دون التدخل فيه، أي ينتهي عمل المحرر والمدقق عند حدود هذه الشواهد.

نشر العدد المزدوج أكثر من أربعين دراسة لأربعين كاتبًا، كل منهم يستخدم أسلوبًا في الكتابة والتحرير والترقيم والفهرسة، تعاد الدراسات كلها إلى أصحابها مرة ومرتين وثلاثًا لحثهم على الالتزام بسياسة التحرير المتبعة في المجلة، والمنشورة في موقع مركز حرمون منذ سنوات، وقلة من تلتزم بها، وليس منهم درويش بحسب بحوثه التي وصلتنا منه، هذه العملية تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين، لا يوفرهما قسم التحرير أبدًا، لكن لا يمكن إثقال الكتّاب بأكثر من ست مراجعات، فهذا يعني أننا سنستغرق في كل عدد سنة، حتى نرضى عنه. عندئذ يحاول المحرر استدراك كل ما غفل عنه الكتاب، ولنقل يصل النص المنشور إلى مستوى عالٍ من الجودة، وهذا في عرف عمل المدقق جيد وكاف.

يضاف إلى ذلك صعوبة تقنية لا لغوية ترتبط  بالأقواس وعلامات الترقيم، فالنسخ التي ترسل إلى الإخراج تخضع لتعديلات أخرى غير متوقعة، ولبرنامج الإخراج معاييره في فهم النص والتعرف إليه، فيحدث تغييرات غير مطلوبة منه، وغير موجودة في نسخة التحرير، كأن لا يقبل الأقواس التي أشار إليها التقرير، أو أن يستبدل بها غيرها من دون قاعدة محددة، ومرد ذلك إلى أن برامج الإخراج ما زالت غير موجهة للمحتوى باللغة العربية،  وثمة عيوب كثيرة في خطوط اللغة العربية، وهما مشكلتان لا يمكن حلهما جذريًا، لكن المحاولات حثيثة للحد من آثارهما، ما استطاع المحرر إلى ذلك سبيلًا.

ولعلّ عنوان فقرة وضعها درويش في معرض نقده لأحد الأبحاث: “الخلط بين ما هو كائن وما يجب أن يكون” (ص 16) يعطي فكرة -بدرجة ما- عن طريقة درويش بالنقد والخلط الذي يعتورها، بغض النظر عن البحث الذي أراد نقده. ذلك أنّ “النقد” عنده عمومًا ينصبّ على “ما هو كائن” لا لعلّة فيه بالضرورة، بقدر ما أن درويش يريده “أن يكون” منسجمًا مع فهمه ومسطرته. وهو أعطى وعظًا مدرسيًّا في منهجيات البحث (ص 26، وما بعدها)، ثم تدخّل في أسلوب الكتّاب اللغوي (ص 32-33)، فتارة لا تعجبه الجمل القصيرة والفقرات المؤلفة منها، وتارة لا تعجبه الجمل الطويلة التي تشكّل فقرة واحدة. في المحصّلة هذه أساليب في الكتابة، ومن حق كل كاتب أن تكون له بصمته أو أسلوبه الخاص.

خاتمة

يبدو أن مجلة قلمون، بريادتها في فتح ملفات سورية مهمة وحساسة، وبتقدمها في وصف الظواهر السورية وتحليلها، وبانفتاحها على الكتاب السوريين من مختلف التيارات السياسية والفكرية، وبمحاولتها الإسهام في التأسيس لعلوم إنسانية واجتماعية سورية تتفاعل مع الوضع السوري الجديد، وتستفيد من العلوم الإنسانية العالمية، قد أصبحت محط اهتمام الأوساط الثقافية والسياسية السورية، ونقدها، وهذا أمر طبيعي ومفيد للقراء والمجلة على حدٍ سواء.

تستعد المجلة لطرح موضوع العقد الاجتماعي السوري في (العدد القادم) على بساط البحث، وتدعو الكتاب السوريين لمناقشة هذا الموضوع الحيوي، آملة من خلاله في تقريب وجهة نظر السوريين حول مستقبل سورية، وزرع الثقة من جديد بينهم من أجل التعاون في بناء سورية تكون للجميع على أساس الحقوق والحريات والمساواة لأفراد المجتمع السوري كلهم، هذا المجتمع الذي عانى على مدار نحو خمسين عامًا الظلمَ والقهر والنهب، ومُنع من أبسط حقوقه المدنية والسياسة وحتى الثقافية. ونقول “زرع الثقة”، لأن سياسة “فرّق تسد” التي مارسها النظام الأسدي لعقود من الزمان، وحشد لها الوسائل والإمكانيات الممكنة كلها فعلت فعلها، ولا بد من مواجهة آثارها السلبية.

وتعد مجلة قلمون قراءها والسوريين جميعهم بأنها لن تتراجع عن مشروعها الذي يريد تحويل الثقافة إلى ساحة عامة لمناقشة الأوضاع العامة للسوريين، مشروعها الذي يتيح للسوريين جميعهم الاستماع إلى بعضهم، ونقد بعضهم، والتعبير عن مخاوفهم بعضهم من بعض، وفضح كل قوى الاستبداد التي عاناها ويعانيها السوريون. وأداتها في ذلك نقد أوضاعهم السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية والاقتصادية، وتحليلها بمستوى عال من العلمية والأكاديمية.

في السياق السوري، تعدّ نظرية “الثقافة للثقافة” كذبة كبرى تسعى مجلة قلمون لتعريتها، وثمة عدد من المثقفين السوريين يمارس الثقافة للثقافة، بقصد الوجاهة والشهرة وجني مكاسب فردية. الثقافة بمفهوم “مجلة قلمون” همٌّ وطني قبل كل شيء.


[1] سنشير إلى فقط إلى أرقام صفحات مقالة حسام الدين درويش المعنون: ” بين الثقافة والسياسة – دراسة نقدية لملف مجلة قلمون “التفاعل بين الدين والمجتمع في سوريا 1920-2020”, والمنشورة في موقع مركز حرمون للدراسات المعاصرة.

[2] عبد الناصر حسو، “الإيزيدية المكون الغائب من النسيج السوري”، مجلة قلمون، ع13، 14، (مركز حرمون للدراسات المعاصرة، كانون الأول/ ديسمبر 2020)، ص335.

[3] المرجع السابق نفسه، ص335.

[4] المرجع نفسه، ص335.

[5] المرجع نفسه، ص 336.

[6] المرجع نفسه، ص338.

[7] المرجع نفسه، ص 340.

[8] المرجع نفسه، ص 340.

[9] حمود حمود، “الدين والدولة وسؤال المأسسة: وزارة الأوقاف السورية أنموذجًا”، مجلة قلمون، ع: 13، 14، (مركز حرمون للدراسات المعاصرة، كانون الأول/ ديسمبر 2020)، ص 361- 362.

[10]عبد الناصر حسو، الإيزيدية المكون الغائب من النسيج السوري، مرجع سابق، ص335.

هيئة تحرير مجلة قلمون

هيئة تحرير مجلة قلمون

مجلة "قلمون" فصلية محكّمة، يُصدرها مركز حرمون للدراسات المعاصرة، بالتعاون مع الجمعية السورية للعلوم الاجتماعية، ويتكامل جهدها مع جهد وحدات المركز وبرامجه الأخرى، في سبيل شرح القضية السورية والدفاع عنها.

مقالات متعلقة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *